الشوكاني

163

فتح القدير

الظالمين بعضا ) والمعنى : نجعل بعضهم يتولى البعض فيكونون أولياء لبعضهم بعضا ، ثم يتبرأ بعضهم من البعض ، فمعنى نولي على هذا : نجعله وليا له . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : معناه نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس . وروى عنه أيضا أنه فسر هذه الآية بأن المعنى : نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله ، فيكون في الآية على هذا تهديد للظلمة بأن من لم يمتنع من ظلمه منهم سلط الله عليه ظالما آخر . وقال فضيل بن عياض : إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف وانظر متعجبا ، وقيل معنى نولي : نكل بعضهم إلى بعض فيما يختارونه من الكفر ، والباء في ( بما كانوا يكسبون ) للسببية : أي بسبب كسبهم للذنوب ولينا بعضهم بعضا . قوله ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ) أي يوم نحشرهم نقول لهم ( ألم يأتكم ) أو هو شروع في حكاية ما سيكون في الحشر ، وظاهره أن الله يبعث في الدنيا إلى الجن رسلا منهم ، كما يبعث إلى الإنس رسلا منهم ، وقيل معنى منكم : أي ممن هو مجانس لكم في الخلق والتكليف ، والقصد بالمخاطبة ، فإن الجن والإنس متحدون في ذلك ، وإن كان الرسل من الإنس خاصة فهم من جنس الجن من تلك الحيثية ، وقيل إنه من باب تغليب الإنس على الجن كما يغلب الذكر على الأنثى ، وقيل المراد بالرسل إلى الجن هاهنا هم النذر منهم ، كما في قوله - ولوا إلى قومهم منذرين - . قوله ( يقصون عليكم آياتي ) صفة أخرى لرسل ، وقد نقدم بيان معنى القص . قوله ( قالوا شهدنا على أنفسنا ) هذا إقرار منهم بأن حجة الله لازمة لهم بإرسال رسله إليهم ، والجملة جواب سؤال مقدر فهي مستأنفة ، وجملة ( وغرتهم الحياة الدنيا ) في محل نصب على الحال ، أو هي جملة معترضة ( وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) هذه شهادة أخرى منهم على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين في الدنيا بالرسل المرسلين إليهم والآيات التي جاءوا بها . وقد تقدم ما يفيد أن مثل هذه الآية المصرحة بإقرارهم بالكفر على أنفسهم ، ومثل قولهم - والله ربنا ما كنا مشركين - محمول على أنهم يقرون في بعض مواطن يوم القيامة وينكرون في بعض آخر لطول ذلك اليوم ، واضطراب القلوب فيه وطيشان العقول . وانغلاق الأفهام وتبلد الأذهان ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى شهادتهم على أنفسهم أو إلى إرسال الرسل إليهم . وأن في ( أن لم يكن ربك مهلك القرى ) هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف . والمعنى : ذلك أن الشأن لم يكن ربك مهلك القرى ، أو هي المصدرية . والباء في ( بظلم ) سببية : أي لم أكن أهلك القرى بسبب ظلم من يظلم منهم ، والحال أن أهلها غافلون ، لم يرسل الله إليهم رسولا . والمعنى : أن الله أرسل الرسل إلى عباده لأنه لا يهلك من عصاه بالكفر من القرى ، والحال أنهم غافلون عن الإعذار والإنذار بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، بل إنما يهلكهم بعد إرسال الرسل إليهم ، وارتفاع الغفلة عنهم بإنذار الأنبياء لهم - وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا - ، وقيل المعنى : ما كان الله مهلك أهل القرى بظلم منه ، فهو سبحانه يتعالى عن الظلم بل إنما يهلكهم بعد أن يستحقوا ذلك وترتفع الغفلة عنهم بإرسال الأنبياء ، وقيل المعنى : أن الله لا يهلك أهل القرى بسبب ظلم من يظلم منهم مع كون الآخرين غافلين عن ذلك ، فهو مثل قوله - ولا تزر وازرة وزر أخرى - ( ولكل درجات مما عملوا ) أي لكل من الجن والإنس درجات متفاوتة مما عملوا فنجازيهم بأعمالهم . كما قال في آية أخرى - ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون - ، وفيه دليل على أن المطيع من الجن في الجنة . والعاصي في النار ( وما ربك بغافل عما يعملون ) من أعمال الخير والشر ، والغفلة ذهاب الشئ عنك لاشتغالك بغيره . قرأ ابن عامر ( تعملون ) بالفوقية ، وقرأ الباقون بالتحتية . وقد أخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ) قال : يولي الله بعض الظالمين بعضا في الدنيا يتبع بعضهم بعضا في النار . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن